مجمع البحوث الاسلامية

883

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أمّا التّفصيليّ فهو أن تعلم أنّ الحسد ضرر عليك في الدّين والدّنيا ، وأنّه ليس فيه على المحسود ضرر في الدّين والدّنيا بل ينتفع به في الدّين والدّنيا . أمّا أنّه ضرر عليك في الدّين فمن وجوه : أحدها : أنّك بالحسد كرهت حكم اللّه ونازعته في قسمته الّتي قسّمها لعباده ، وعدله الّذي أقامه في خلقه بخفيّ حكمته ، وهذه جناية على حدقة التّوحيد وقذى في عين الإيمان . وثانيها : أنّك إن غششت رجلا من المؤمنين ، فارقت أولياء اللّه في حبّهم الخير لعباد اللّه ، وشاركت إبليس وسائر الكفّار في محبّتهم للمؤمنين البلايا . وثالثها : العقاب العظيم المرتّب عليه في الآخرة . وأمّا كونه ضررا عليك في الدّنيا فهو أنّك بسبب الحسد لا تزال تكون في الغمّ والكمد ، وأعداؤك لا يخليهم اللّه من أنواع النّعم . فلا تزال تتعذّب بكلّ نعمة تراها وتتألّم بكّل بليّة تنصرف عنهم فتبقى أبدا مغموما مهموما ، فقد حصل لك ما أردت حصوله لأعدائك ، وأراد أعداؤك حصوله لك ، فقد كنت تريد المحنة لعدوّك فسعيت في تحصيل المحنة لنفسك . ثمّ إنّ ذلك الغمّ إذا استولى عليك أمرض بدنك ، وأزال الصّحّة عنك ، وأوقعك في الوساوس ، ونغّص عليك لذّة المطعم والمشرب . وأمّا أنّه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فواضح ، لأنّ النّعمة لا تزول عنه بحسدك بل ما قدّره اللّه من إقبال ونعمة فلا بدّ وأن يدوم إلى أجل قدّره اللّه ، فإنّ كلّ شيء عنده بمقدار ولكلّ أجل كتاب . ومهما لم تزل النّعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر في الدّنيا ولا عليه إثم في الآخرة . ولعلّك تقول : ليت النّعمة كانت لي وتزول عن المحسود بحسدي ، وهذا غاية الجهل فإنّه بلاء تشتهيه أوّلا لنفسك فإنّك أيضا لا تخلو عن عدوّ يحسدك ، فلو زالت النّعمة بالحسد لم يبق للّه عليك نعمة لا في الدّين ولا في الدّنيا . وإن اشتهيت أن تزول النّعمة عن الخلق بحسدك ولا تزول عنك بحسد غيرك ، فهذا أيضا جهل ، فإنّ كلّ واحد من حمقى الحسّاد يشتهي أن يختصّ بهذه الخاصّيّة ، ولست أولى بذلك من الغير ، فنعمة اللّه عليك في أن لم يزل النّعمة بالحسد ممّا يجب شكرها عليك وأنت بجهلك تكرهها . وأمّا أنّ المحسود ينتفع به في الدّين والدّنيا فواضح : أمّا منفعته في الدّين فهو أنّه مظلوم من جهتك لا سيّما إذا أخرجت الحسد إلى القول والفعل بالغيبة والقدح فيه ، وهتك ستره وذكر مساوئه ، فهي هدايا يهديها اللّه إليه ، أعني أنّك تهدي إليه حسناتك ، فإنّك كلّما ذكرته بسوء نقل إلى ديوانه حسناتك وازدادت سيّئاتك ، فكأنّك اشتهيت زوال نعم اللّه عنه إليك فأزيلت نعم اللّه عنك إليه ، ولم تزل في كلّ حين وأوان تزداد شقاوة . وأمّا منفعته في الدّنيا فمن وجوه : الأوّل : أنّ أهمّ أغراض الخلق مساءة الأعداء ، وكونهم مغمومين معذّبين ، ولا عذاب أعظم ممّا أنت فيه من ألم الحسد ، بل العاقل لا يشتهي موت عدوّه بل يريد طول حياته ليكون في عذاب الحسد ، لينظر في كلّ حين